السيد الطباطبائي

152

تفسير الميزان

والجن طائفة من الموجودات مستورة بالطبع عن حواسنا ذات شعور وإرادة تكرر في القرآن الكريم ذكرهم ونسب إليهم أعمال عجيبة وحركات سريعة كما في قصص سليمان عليه السلام وهم مكلفون ويعيشون ويموتون ويحشرون تدل على ذلك كله آيات كثيرة متفرقة في كلامه تعالى . واما الجان فهل هو الجن بعينه أو هو أبو الجن كما أن آدم عليه السلام أبو البشر كما عن ابن عباس أو هو إبليس نفسه كما عن الحسن أو الجان نسل إبليس من الجن أو هو نوع من الجن كما ذكره الراغب ؟ أقوال مختلفة لا دليل على أكثرها . والذي يهدى إليه التدبر في كلامه تعالى انه قابل في هاتين الآيتين الانسان بالجان فجعلهما نوعين اثنين لا يخلوان عن نوع من الارتباط في خلقتهما ونظير ذلك قوله : " خلق الانسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار " الرحمان : 15 . ولا يخلو سياق ما نحن فيه من الآيات من دلالة على إن إبليس كان جانا وإلا لغى قوله والجان خلقناه من قبل الخ وقد قال تعالى في موضع آخر من كلامه في إبليس : " كان من الجن ففسق عن أمر ربه " الكهف : 50 فأفاد إن هذا الجان المذكور هو الجن نفسه أو هو نوع من أنواع الجن ثم ترك سبحانه في سائر كلامه ذكر الجان من أصله ولم يذكر الا الجن حتى في موارد يعم الكلام فيها إبليس وقبيله كقوله تعالى : " شياطين الإنس والجن " الانعام : 112 وقوله وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس " حم السجدة 25 وقوله : " سنفرغ لكم أيها الثقلان " إلى أن قال " يا معشر الجن والإنس ان استطعتم ان تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا " الرحمان : 33 . وظاهر هذه الآيات من جهة المقابلة الواقعة فيها بين الانسان والجان تارة وبين الإنس والجن أخرى ان الجن والجان واحد وان اختلف التعبير . وظاهر المقابلة بين قوله ولقد خلقنا الانسان الخ وقوله : وخلقنا الجان من قبل الخ ان خلق الجان من نار السموم المراد به الخلق الابتدائي وبدء ظهور النوع كخلق الانسان من صلصال وهل كان استمرار الخلقة في افراد الجان المستتبع لبقاء النوع على سنة الخلق الأول من نار السموم بخلاف الانسان حيث بدئ